Advertisements

الخميس، 2 ديسمبر 2010

العناصر الخلقية فى المدنية - 5 - الدين ب - مصادر الدين

5 - الدين
ب - مصادر الدين
الخوف - الدهشة - الأحلام - النفس - الروحانية

الخوف- كما قال لوكريشس- أول أمهات الآلهة، وخصوصاً الخوف من الموت، فقد كانت الحياة البدائية محاطة بمئات الأخطار، وقلما جاءتها المنيَّةُ عن طريق الشيخوخة الطبيعية، فقبل أن تدب الشيخوخة في الأجسام بزمن طويل، كانت كثرة الناس تقضي بعامل من عوامل الاعتداء العنيف أو بمرض غريب يفتك بها فتكا، ومن هنا لم يصدق الإنسان البدائي أن الموت ظاهرة طبيعية وعزاه إلى فعل الكائنات الخارقة للطبيعة، ففي أساطير سكان بريطانيا الجديدة الأصليين، جاء الموت نتيجة خطأ أخطأته الآلهة، فقد قال الإله الخير
"كامبيناتا" إلى أخيه الأحمق"كورفوفا": "اهبط إلى الناس وقل لهم يسلخوا جلودهم حتى يتخلصوا من الموت، ثم أنبئ الثعابين أن موتها منذ اليوم أمر محتوم" فخلط "كورفوفا" بين شطري الرسالة بحيث بلغ سر الخلود للثعابين، وقضاء الموت للإنسان؛ وهكذا ظن كثير من القبائل أن الموت مرجعه إلى تقلص الجلد، وأن الإنسان يخلد لو استطاع أن يبدل بجلده جلداً آخر.
وتعاونت عدة عوامل على خلق العقيدة الدينية، فمنها الخوف من الموت، ومنه كذلك الدهشة لما يسبب الحوادث التي تأتي مصادفة أو الأحداث التي ليس في مقدور الإنسان فهمها، ومنها الأمل في معونة الآلهة والشكر على ما يصيب الإنسان من حظ سعيد، وكان أهم ما تعلقت بهدهشتهم وما استوقف أنظارهم بسره العجيب هما الجنس والأحلام، ثم الأثر الغريب الذي تحدثه أجرام السماء في الأرض والإنسان؛ لقد بهت الإنسان البدائي لهذه الأعاجيب التي يراها في
نومه، وفزع فزعا شديداً حين شهد في رؤاه أشخاص أولئك الذين يعلم عنهم علم اليقين أنهم فارقوا الحياة؛ لقد دفن موتاه بيديه ليحول دون عودتهم؟ لقد دفن مع الموتى ألوان الطعام وسائر الحاجات حتى لا يعود الميت من جديد فيصبّ عليه لعنته، بل كان أحيانا يترك للميت الدار التي جاءه فيها الموت، وينتقل هو إلى دار أخرى، وفي بعض البلدان كان الإنسان البدائي يُخرج الجثة من الدار خلال ثقب في الحائط، لا من بابها، ثم يدور بها حول الدار ثلاث دورات سريعة، لكي تنسى الروح أين المدخل إلى تلك الدار فلا تعاودها أبدا.
وليست الروح
بقاصرة على الإنسان وحده، بل إن لكل شئ روحاً، والعالم الخارجي ليس مواتاً ولا خلواً من الإحساس، لكنه كائن حي دافق الحياة. ولو لم يكن الأمر كذلك- هكذا ظن الفلاسفة القدامى- لكان العالم مليئاً بالأحداث التي يستحيل تعليلها، مثل حركة الشمس، أو البرق الذي يصعق الأحياء، أو تهامس الشجر، وهكذا تصور الناس الأشياء والحوادث مشخصة قبل أن يتصوروها جوامد أو مجردة؛ وبعبارة أخرى سبقت الديانة الفلسفة؛ وهذه الروحانية في النظر إلى الأشياء هي ما في الدين من شعر، وما في الشعر من دين؛ وقد نشاهدها في أبسط صورها، في عيني الكلب الدهِشتَين إذ يرقب بهما ورقة حملته الريح أمامه، فربما ظن إزاءها أنلها روحا تحركها من باطنها، وهذا الشعور نفسه هو الذي تصادفه في أعلى درجاته عند الشاعر فيما ينظم من قصيد؛ ففي رأي الإنسان البدائي- وفي رأي الشعراء في كل العصور- أن الجبال والأنهار والصخور والأشجار والنجوم والشمس والقمر والسماء، كلها أشياء مقدسة لأنها العلامات الخارجية المرئية للنفوس الباطنية الخفية؛ وكذلك الحال مع اليونان الأقدمين إذ جعلوا السماء هي الإله "أورانوس"، والقمر هو الإله "سلين"، والأرض هي الإلهة "جى"، والبحر هو الإله "بوزيدن"، وأما الإله "بان" ففي كل أرجاء الغابات في وقت واحد؛ والغابات في رأي الجرمان الأقدمين كانت في أول أمرها عامرة بالجن والشياطين والسحرة والمَرَدة والأقزام وعرائس الجن وإنك لتلمس هذه الكائنات الجنية مبثوثة في موسيقى "فاجنر" وفي مسرحيات "إبسِن"الشعرية؛ والفلاح الساذج في إيرلندة لا يزال يؤمن بوجود الجنيات، ويستحيل أن يُعترف بشاعر أو كاتب مسرحي على أنه من رجال النهضة الأدبية هناك إلا إذا أدخل الجنيات في أدبه، وإن في هذه النظرة الروحانية لحكمةً وجمالاً، فمن الخير الذي يشرح الصدور أن تعامل الأشياء معاملتك للأحياء؛
والنفس الحساسة- كما يقول أرهف الكتاب المعاصرين حساسية- ترى كأنما:
"الطبيعة أخذت تتبدى في هيئة مجموعات كبرى من كائنات حية مستقل بعضها عن بعض؛ بعضها مرئي وبعضها خفي، لكنها جميعاً من طبيعة العقل، ثم هي جميعاً من طبيعة المادة، وهي كذلك جميعاً تمزج في أنفسها بين العقل والمادة فتكون بذلك سر الوجود العميق... إن العالم ملئ بالآلهة! فمن كل كوكب ومن كل صخرة ينبثق وجود يثيرنا بنوع من الإحساس الذي ندرك به كثرة ما هنالك من قوى شبيهة بقوى الآلهة، فمنها القوي ومنها الضعيف، ومنها الجليل ومنها الضئيل، تتحرك كلها بين السماء والأرض لتحقق غاياتها التي كتمتها في أجوافها سراً".

0 comments:

إرسال تعليق

Copyright © حديث السندباد القديم All Right Reserved
Designed by Harman Singh Hira @ Open w3.